لماذا توجد دول غنية وأخرى فقيرة؟

View previous topic View next topic Go down

لماذا توجد دول غنية وأخرى فقيرة؟

Post by discovery on Sat Apr 14, 2012 7:06 am

لماذا توجد دول غنية وأخرى فقيرة؟




يعتبر
دارون أسيموغلو، باعترافه هو، رجلا قصيرا بدينا تعطي ملامحه انطباعا
بالبلاهة ولقب عائلته ثقيل جدا على اللسان، ولكن حينما ذكرت لاثنين من
خبراء الاقتصاد أنني كنت أجري معه حوارا، بدا عليهما الحماس وقالا: «نحن
نحب دارون أسيموغلو»، كما لو كنت أتحدث عن نجم من نجوم الغناء.

لقد اكتسب أسيموغلو، الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي أصبح
من ألمع الأسماء في مجاله حاليا - شهرته من إسهاماته الكبيرة للإجابة عن
أهم سؤال في مهنته، وهو نفس السؤال الذي دفع آدم سميث إلى تأليف كتابه
«ثروة الأمم»، وهذا السؤال هو: لماذا توجد دول غنية وأخرى فقيرة؟

وقد تباينت الإجابات عن هذا السؤال تباينا كبيرا عبر العصور، حيث أشار
سميث إلى أن الفارق بين الثروة والفقر ينتج عن الحرية النسبية للأسواق، في
حين ذكر توماس مالتوس أن الفقر يأتي من زيادة عدد السكان، بينما قال جون
مينارد كينز بأنه ناتج ثانوي لغياب التكنوقراط (نحن نعلم جميعا أن رجال
السياسة يحبون الاستماع إلى رجال البيروقراطية المعتوهين). ويؤكد جيفري
ساكس، أحد أشهر خبراء الاقتصاد في العالم، أن ضعف التربة وعدم وجود أنهار
صالحة للملاحة والأمراض الاستوائية تعتبر من العوامل التي لها دور في ذلك،
بينما يشير الآخرون إلى عوامل الثقافة والجغرافيا والمناخ والاستعمار
والقوة العسكرية، إلى آخر تلك القائمة.

مع ذلك قدم أسيموغلو، من خلال سلسلة من الأبحاث الأكاديمية الرائعة -
والمثيرة للجدل إلى حد ما - التي نشرت له خلال العقد الماضي، حيثيات مقنعة
للتشكيك في صحة كثير من النظريات السابقة (فلو كان الفقر ينتج أساسا من
الجغرافيا مثلا أو من تاريخ غير مشرق، إذن كيف يمكننا تفسير التجارب
الناجحة في بوتسوانا أو كوستاريكا أو تايلاند؟) وفي كتابهما الجديد «لماذا
تفشل الأمم؟» Why Nations Fail،، يقول أسيموغلو وزميله جيمس روبنسون إن
ثروة أي بلد ترتبط ارتباطا وثيقا بمدى مشاركة الشخص العادي في النمو الكلي
لاقتصاد ذلك البلد، وهي فكرة ظهرت على يد آدم سميث، ولكن ظلت قرونا بعدها
لا تلقى أي اهتمام، في ظل تركيز خبراء الاقتصاد على النماذج النظرية للنظم
الاقتصادية المثالية أكثر من تركيزهم على المشكلات العويصة للأمم الحقيقية.

ولننظر إلى فكرة أسيموغلو من منظور مزارع فقير. في مناطق من أفريقيا
الحديثة جنوب الصحراء، كما حدث في العصور الوسطى في أوروبا والجنوب
الأميركي قبل الحرب الأهلية الأميركية، يفتقر من يعملون في الحقول إلى أي
حافز لتحسين إنتاجيتهم، لأن أي فائض يذهب إلى النخبة الغنية، وهذه العقلية
لا تتغير إلا عندما يُمنح المزارعون حقوق ملكية قوية ويجدون أنه بإمكانهم
تحقيق ربح من زيادة الإنتاج. وفي سنة 1978، بدأت الصين في السماح للمزارعين
بالاستفادة من أي فائض يحققونه في المحصول، ويتفق معظم خبراء الاقتصاد على
أن هذا القرار ساعد في إطلاق شرارة النمو الهائل الذي تشهده البلاد حاليا.
ووفقا لنظرية أسيموغلو، حينما تحول مؤسسات الدولة دون أن يربح الفقراء من
عملهم، فلن يفلح معها أي نوع من جهود محاربة الأمراض أو النصائح الاقتصادية
المفيدة أو المعونات الأجنبية. وقد لاحظت هذا بنفسي حين زرت مجموعة من
مزارعي المانجو في هايتي منذ بضع سنوات، فكل مزارع منهم لم تكن لديه أكثر
من شجرة مانجو أو اثنتين، رغم أن أراضيهم كانت تقع إلى جانب نهر يمكنه ري
حقولهم وإنبات مئات الأشجار، فلماذا إذن لم يقوموا بتركيب أنابيب للري؟ هل
كان هذا جهلا منهم أم لا مبالاة؟ في الحقيقة، لقد كانوا أذكياء جدا وكانوا
يعيشون في منطقة تعج ببرامج المعونات الأجنبية غير المغرضة، ولكن هؤلاء
المزارعين كانوا يعلمون أيضا أن أحدا في قريتهم لم يكن لديه أي سند ملكية
صريح للأراضي التي يزرعونها، وبالتالي إذا قاموا فجأة بزراعة بضع مئات من
أشجار المانجو، فمن المرجح أن يظهر أحد أفراد النخبة ممن لديهم نفوذ كبير
ليطالب بملكية أراضيهم بما فيها من غنائم. هل وضح الآن الشاهد في هذا
الموضوع؟

وقد صادفت جانبا آخر من أطروحة أسيموغلو خلال ما كان يجب أن يكون إحدى
التجارب الاقتصادية الطبيعية العظيمة في التاريخ، وهي تجربة بغداد بعد سقوط
صدام حسين. يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، وهو اليوم الذي سقطت فيه العاصمة،
وجد أحد أشد النظم الاقتصادية في العالم تقييدا نفسه فجأة غارقا في مستنقع
من الفوضى، ووسط هذه الفوضى تحول كثير من موظفي الدولة السابقين إلى
مقاولين، حيث بدا وكأن كل المهندسين تقريبا الذين كانوا يعملون في وزارة
الإسكان قد فتحوا شركات إنشاءات خاصة بهم، وأصبحت أجهزة التلفزيون
الفضائية، التي كانت في يوم من الأيام محظورة ومقصورة على نخبة محدودة
للغاية، تباع في جميع الشوارع الكبرى. وفي عهد صدام حسين، كانت هناك شركة
واحدة فقط، تقول كثير من الشائعات إنها كانت خاضعة لرقابة أجهزة
الاستخبارات، تقدم خدمة الدخول على الإنترنت، وكانت الخدمة سيئة وباهظة
الثمن بشكل لا يصدق. أما بعد رحيله، فقد أصبح هناك الكثير من شركات
الإنترنت الصغيرة، لدرجة أنني وجدت أمامي خيارات أكثر بكثير مما أجده اليوم
في بروكلين.

رغم ذلك قضت السلطات الأميركية، التي لم تكن تخطط لإيجاد هذه السوق
الناشئة الحرة، تقريبا على هذه السوق حين منحت مجموعة العقود الجديدة
لشركات كبيرة خارج البلاد، وهذه الشركات الدخيلة كانت في أغلب الأحيان تقوم
بالتعاقد من الباطن مع شركات عراقية ذات صلات وثيقة بالمؤسسة السياسية
الجديدة في الدولة. ومع حلول الذكرى السنوية للغزو الأميركي، كان واضحا أن
النجاح الاقتصادي سيأتي مجددا من العلاقات والفساد وليس من الموهبة والعمل
الجاد. وتصنف منظمة «الشفافية الدولية» العراق حاليا كإحدى أكثر الدول
فسادا في العالم. وقد أخبرني صديق عراقي ذات مرة أنه كان يأمل في أن يعلم
العراقيون كيف يتصرفون مثل الأميركيين، ولكن بدلا من ذلك، تعلم الأميركيون
كيف يتصرفون مثل العراقيين.

ولم يأتِ أسيموغلو وروبنسون وزملاؤهما بفكرة جديدة حين قالوا بأن
الحوافز مهمة بالطبع أو أن السياسة تلعب دورا في التنمية الاقتصادية، بل
كان إسهامهم الكبير يتمثل في سلسلة من الدراسات التاريخية الرائعة التي
قدمت حججا مقنعة تثبت صحة ذلك الشعار التقليدي بأن قيمة الأمة الحقيقية في
شعبها. فإذا قدمت المؤسسات الوطنية حتى لأفقر مواطنيها وأقلهم من حيث
المؤهلات العلمية الفرصة لتحسين حياتهم - من خلال حقوق الملكية والقضاء
العادل وسبل الوصول إلى الأسواق - فسوف يفعل هؤلاء المواطنون كل ما هو
مطلوب لتحسين إمكاناتهم المادية وجعل وطنهم أكثر ثراء. ويشير هذا إلى ضرورة
تركيز المجتمع الدولي مساعداته على إحداث تغيير سياسي واقتصادي عميق بدلا
من دعم برامج متفرقة لرفع مستوى الصحة أو زيادة الإنتاجية الزراعية.

وبقدر ما يعتبر الاسم «لماذا تفشل الأمم؟» مثيرا للاهتمام، فهو يوضح
أيضا آثار النظم الاقتصادية والسياسية المختلفة على البلدان، ويبدو الجزآن
اللذان يتناولان روما القديمة وفينيسيا في العصور الوسطى بالذات مقنعين
للغاية، حيث يبينان كيف يمكن أن تنقلب مجتمعات في غاية الانفتاح والازدهار
إلى نظم استبدادية منغلقة وفقيرة. ومن الصعب قراءة هذين الجزأين دون
التفكير في النموذج المعاصر للولايات المتحدة، التي انتشر عدم المساواة في
أوصال نظامها الاقتصادي خلال العقود القليلة الماضية. فهل أصبحت نسبة
الواحد في المائة تبدو كنخبة تستحوذ على الثروات وتعمل على انتشار الفقر؟

ربما يكون هذا صحيحا، فقد أخبرني سيمون جونسون، كبير الخبراء
الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، الذي يتعاون كثيرا مع أسيموغلو
وروبنسون، أن الشركات المالية قد نجحت تماما في تطويع العملية السياسية
لدرجة أن الاقتصاد الأميركي صار مختلا من جذوره. وأضاف قائلا «الوضع سيئ،
وهو يزداد سوءا»، وأشار إلى أنه ما لم يحدث تحول كبير في النظام السياسي،
فإن الولايات المتحدة قد تكون في طريقها إلى انهيار اقتصادي خطير.

ولا يشعر تشارلز كالوميريس، خبير اقتصادي بجامعة كولومبيا، بنفس القدر
من القلق، ولكن ليس لأنه يعتقد أن المصارف لم تطوع النظام السياسي، فيقول:
«لم يحدث مطلقا أن كان لدينا نظام مصرفي جيد. المدهش في أميركا أننا كنا
أنجح اقتصاد في العالم بينما تكبلنا القيود السياسية المفروضة على نوعية
نظامنا المصرفي». ويقول كالوميريس إن هذا يحدث منذ القرن الثامن عشر، ولا
يرى أي سبب يمنع الولايات المتحدة من تحقيق نمو في المستقبل القريب.

ويميل أسيموغلو وروبنسون إلى التشاؤم أكثر من التفاؤل بشأن فرص الولايات
المتحدة في النهوض من جديد، وقد أخبراني أن الكونغرس واقع تماما تحت سيطرة
الأغنياء، وأن ظهور لجان العمل السياسية القوية لم يؤدِ إلا إلى منح النخب
مزيدا من القوة، إلا أن أسيموغلو فاجأني حين قال إنه سعد كثيرا بنهوض
حركتي «حزب الشاي» و«احتلوا وول ستريت». وصحيح أن أيا منهما ليست له أجندة
اقتصادية متماسكة أو محكمة، إلا أن كليهما أظهر أن أعدادا كبيرة من
الأميركيين، أيا كانت درجة إحباطهم، ما زالوا يعتقدون أن بإمكانهم التأثير
على العملية السياسية من أجل تحسين مستواهم المادي. ويوضح أسيموغلو أنه بما
أن مستقبل الرخاء الاقتصادي الأميركي يكمن في الشعب الأميركي، بقدر ما
يؤمن الأميركيون بقدرتهم على التأثير على العملية السياسية، بقدر ما
سينجحون.

لكنه سرعان ما يتساءل: ماذا لو وجد الأميركيون أن احتجاجاتهم ليس لها أي
تأثير؟ ماذا لو أصبحت الولايات المتحدة بلدا إقصائيا حقيقيا يستخدم العنف
في قمع الاحتجاجات أو - ما هو أسوأ - الإذعان الساخط من الجماهير التي يتم
إسكاتها بالقوة؟ ورغم شعور كثير من الأميركيين بالإحباط بسبب النقاشات
العامة التي تثير الانقسام والغضب في معظم الأحيان حول المستقبل الاقتصادي
للبلاد، فسوف نكون في مأزق حقيقي في نفس اللحظة التي سيتم فيها تكميم أفواه
هؤلاء.

* خدمة «نيويورك تايمز»

* المؤسس المشارك لـ«إن بي آرز بلانيت ماني»



____________________________________________________
avatar
discovery

الجنس : Male

عدد المساهمات : 1114
النقاط : 30752
التقييم : 12
تاريخ التسجيل : 2010-04-28

View user profile

Back to top Go down

View previous topic View next topic Back to top


 
Permissions in this forum:
You cannot reply to topics in this forum