الرياضيات في الحضارة الإسلامية

View previous topic View next topic Go down

الرياضيات في الحضارة الإسلامية

Post by moh22 on Fri Feb 19, 2010 12:32 am



الرياضيات في الحضارة الإسلامية



في العصر العباسي الأول (132 ه 232 ه) اهتم علماء المسلمين بالهندسة اهتمامًا كبيرًا،
في حين أهملتها معظم الشعوب الأخرى، والخطوة الأولى التي اتخذها علماء
المسلمين هي ترجمة كتاب إقليدس في علم الهندسة الذي يسمى باليونانية
(STIOCHEIO) وبالإنجليزية (ELEMENTS) وبالعربية كتاب (الأصول الهندسية)
أو(الأركان الهندسية) و نقل كتاب إقليدس لأول مرة إلى العربية في عهد
الخليفة العباسي أبى جعفر المنصور.
(136157ه) (754775م).



وقام الحجاج بن يوسف بن مطر (170 220 ه) (786 835 م) بالترجمة والتعليق على كتاب "الأصول الهندسية " لإقليدس مرتين:
ألأولى سماها "بالهاروني" والثانية "بالمأموني". كما تطرق علماء المسلمين
إلى قضايا وبحوث جديدة لم يتناولها إقليدس وبقيت أوربا تستعمل في جامعاتها
هندسة إقليدس المترجمة عن اللغة العربية حتى القرن العاشر الهجري الموافق
السادس عشر الميلادي.

ومن أمثلة التنقيحات والإضافات التي أدخلها علماء المسلمين على هندسة إقليدس " فرضية التوازي "
التي لم يستطع إقليدس أن يثبتها أو يعرفها على هيئة نظرية فعالج هذه
المصادر ابن الهيثم أولا ثم نصير الدين الطوسي في القرن السابع الهجري
(الثالث عشر الميلادي).

 حظي العصر العباسي الثاني والثالث (من القرن الثالث إلى السابع الهجري)
بعدد كبير من كبار الرياضيين الذين أبدعوا في علوم الرياضيات، وسنقدم هنا
بإيجاز بعضًا من إنجازاتهم التي أثرت تأثيرًا بارزًا في ازدهار الفكر
الرياضي وتقدمه في الشرق والغرب.


أولاً الحساب:

وفق الله تبارك وتعالى علماء المسلمين في ابتكار نظامين لكتابة الأرقام.
النظام الأول:
ويسمى بالأرقام الغبارية، وسميت بذلك؛ لأنهم كانوا يذرون غبارًا خفيفًا
على الألواح ثم يخطون فوق هذا الغبار بالأرقام. وهذه الأرقام تقوم في
أساسها على الزوايا وهى: 0123456789، التي تنتشر في المغرب العربى بما في
ذلك الأندلس، ومنها دخلت إلى أوربا وسميت بالأرقام العربية.

النظام الثاني: وهو
الأرقام الهندية، وهى الطريقة المتوارثة المنتشرة في الأقطار الإسلامية
والعربية المشرقية إلى الآن. كما ابتكر المسلمون مفهوم "الصفر" الذي سهل
العمليات الحسابية تسهيلا لا حدود له، وعرفوه بأنه: "المكان الخالي من أي
شيء".

وقد أخذه الأوربيون باسمه العربي وتداولوه في مختلف
لغاتهم، فقال الإنجليز: "Cipher"، وقال الفرنسيون: "Chiffre"، وقال
الألمان:"Ziffer"، وسرعان ما خضع لعوامل التغيير اللغوي وصار: "Zero".
ويقول الدكتور"كارل بوير" في كتابه "تاريخ الرياضيات": "إنه بدون اكتشاف
العرب للأعداد العربية كان من الممكن أن تكون الرياضيات الآن في مهدها،
ولكن بواسطتها استطاع الإنسان أن يخترع، وأن يعرف الطبيعة بأكملها".

ولقد قسم المسلمون الأعداد العربية إلى قسمين أساسين هما: زوجي، وفردي.
وعرفوا كلا منهما، كما بحثوا في أنواعها ونظرياتها، وفي ذلك قالوا: "ما من
عدد إلا وله خاصية أو عدة خواص، لا يشاركه فيها غيره".

ولم يقف المسلمون عند هذا الحد، بل بحثوا في النسبة والمتواليات وقسموها إلى ثلاثة أنواع:

1- المتواليات العددية.
2- المتواليات الهندسية.
3- المتواليات التوافقية أو التأليفية.

وكشفوا عن بعض حقائق النسبة فيما يتعلق بالأبعاد والأثقال، وكيفية استخراج الأنغام والألحان من النسبة التأليفية.

وقد بسط "إخوان الصفا" في القرن الرابع الهجري القول في ذلك، حيث ذكروا في
رسائلهم: "إن علم النسبة علم شريف جليل، وإن الحكماء جميع ما وضعوه من
تأليف حكمتهم فعلى هذا الأصل أسسوه وأحكموه، وقضوا لهذا العلم بالفضل على
سائر العلوم، إذ كانت كلها محتاجة إلى أن تكون مبنية عليه، ولولا ذلك لم
يصح عمل، ولا صناعة، ولا ثبت شيء من الموجودات على الحال الأفضل".

أما فيما يتعلق بالتناسب، وطريقة استخراج المجهول، فقد أبدعوا أيما إبداع،
لقد أوضحوا استخراج المجهولات بالأربعة المتناسبة، وبحساب الخطأين،
وبطريقة التحليل والتعاكس، وبطريقة الجبر. كما ابتكر المسلمون طرقًا جديدة في العمليات الحسابية حملت اسم المسلمين.
ومما لا شك فيه أن المسلمين هم مبتدعو الكسر العشري بما هو عليه الآن من
ابتكار الخط المستقيم الفاصل بين البسط والمقام. ويقول في ذلك الأستاذ
الكبير "لويس كارينكى" في كتابه "المؤثرات على تاريخ العلوم": "إن الكسر
الاعتيادي واستعماله كما هو الآن من المعالم التاريخية التي يجب أن يفخر
بها المسلمون"، ويقول العالم الرياضي المشهور "ل. فودستين" في مقالة
بعنوان "الأعداد العربية": "إن وصول الرياضيات لما هي عليه الآن يرجع إلى
ابتكار المسلمين لعملياتهم الحسابية العظيمة". ¬

ومن الكتب التي وضعت في الحساب:

كتاب للخوارزمي
يعتبر الأول في نوعه من حيث التبويب والمادة العلمية، كما يعتبر أول كتاب
في الحساب نقله الأوربيون إلى لغاتهم، واستمر زمنًا طويلا مرجعًا هامًا
للعلماء والتجار والمحاسبين، ويدل الكتاب على أن المسلمين ابتكروا كثيرًا
من المسائل التي تشحذ الذهن وتقوى التفكير، كما أنه يعكس الأسلوب المتميز
الذي اتبعوه في إجراء العمليات الحسابية بحيث كانوا يوردون لكل عملية
حسابية طرقًا متعددة تتمشى مع مراحل النمو.



ومن الطريف أن علماء التربية الحديثة أوصوا باستخدام "خوارزمية الضرب
بطريقة الشبكة" في المدارس الابتدائية لسهولة فهمها ومقدرة طلاب هذه
المرحلة على استيعابها.
وكتاب "الباهر" في الحساب والجبر وعلاقتهما بالهندسة للسموأل بن يحيى
المغربي، وقد نشرت مخطوطة هذا الكتاب حديثًا في سوريا، وهو كتاب يعرف
بعالم رياضي جليل يحتل مكانة عالية بين علماء العرب والمسلمين.

وهناك كتب كثيرة أخرى لا تقل أهمية عن ذلك مثل: كتاب "الجامع في أصول الحساب" للحسن بن الهيثم، وكتاب "المقنع في الحساب" للقاضي النسوي، وكتب "الفخري" و"الكافي" و"البديع" لأبى بكر الكرجي، وغيرها.

كذلك لعبت بعض المؤلفات في علم الحساب دورًا هامًا في الكشف عن
اللوغاريتمات ووضع جداولها التي أصبحت عظيمة الفائدة في تسهيل حل المسائل
المتضمنة أعدادًا كبيرة وتقوم فكرتها أساسًا على استبدال عمليات الضرب
والقسمة بعمليات الجمع والطرح، ومعرفة الصلة بين حدود المتواليات الهندسية
وحدود المتوالية العددية.

ومن هذه المؤلفات كتاب "الجمع والتفريق"
لسنان بن الفتح الحراني الذي شرح فيه كيفية إجراء عمليات الضرب والقسمة
بواسطة عمليات الجمع والطرح. واستطاع ابن يونس المصري أن يتوصل إلى إيجاد
القانون الأتي:
تجيب( س) . تجيب (ص) = ½ تجيب (س+ص) +½ تجيب (س-ص).

وكان لهذا القانون قيمة كبيرة عند علماء الفلك قبل اكتشاف اللوغاريتمات؛
إذ يسهل حلول كثير من المسائل الطويلة المعقدة. ومازالت في أوربا جداول
اللوغاريتمات المعروفة في عصرنا تحمل اسم الخوارزمي أو "الغوريتمي".


ثانياً - علم الجبر:

سرعان
ما طرق المسلمون باب التاريخ وسجلوا لأول مرة "علم الجبر" وعنهم أخذ
العالم هذه الكلمة"Algebra" بأبعادها العلمية، حتى يقول "كاجوري": إن
العقل ليدهش عندما يرى ما قدمه المسلمون في علم الجبر، لانهم في الحقيقة
قدموه في صورة علمية ناضجة، سار على منوالهم فيها جميع الدارسين
للرياضيات.

وكان كتاب "الجبر والمقابلة"
للخوارزمي هو مصدرهم الاساسي، ويعد الخوارزمي أول من استنبط هذا العلم
واستخرجه، وقد أورد فيه 800 مثالاً، ونقله إلى اللاتينية "جيرار
الكريموني" خلال القرن (12م)، فاعتمدت عليه جامعات أوربا حتى القرن(16م)
وبواسطته عرفت أوربا مبادئ علم الجبر.

كما توصل ثابت بن قرة إلى حجم الجسم المكافئ؛ ولهذا يعتبره كثير من
الرياضيين مبتكر علم التفاضل والتكامل. وكتب البروفيسور "ديفيد سميث" في
كتابه "تاريخ الرياضيات": "إن ثابت بن قرة، صاحب الفضل في اكتشاف علم
التفاضل والتكامل؛ حيث أوجد حجم الجسم المكافئ، وذلك في عام (256ه). ومن
المعروف أن علم التفاضل والتكامل أعان على حل عدد كبير من المسائل الصعبة
والعمليات الملتوية".

وتقدم عمر الخيام بعلم الجبر خطوات إلى الأمام،
وله كتاب نشر حديثًا بأمريكا سنة (2391م)، غير كتبه الأخرى المترجمة إلى
اللغات الأجنبية وخاصة الفرنسية، وقد تميز كتابه في الجبر عن كتاب
الخوارزمي، وطور المعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة والرابعة بواسطة قطع
المخروط، وهو أرقى ما وصل إليه المسلمون في الجبر، بل هو أرقى ما وصل إليه
علماء الرياضيات في حل المعادلات في الوقت الحاضر.

كما كان لكتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي شروح عديدة قام بها الكثير من
علماء المسلمين الذين اهتموا بتطوير هذا العلم والتأليف فيه والإضافة
إليه، مثل: أبى الوفاء البوزجاني، وأبى بكرالكرخي، والسموأل المغربي، وعبد
الله بن الحسن الحاسب، وغيرهم.

ثالثاً الهندسة:

الهندسة
من أبرز شواهد الحضارة الإنسانية وتطورها، وللمسلمين فيها باع طويل، فقد
حفظوها من الضياع طوال العصور الوسطى، وأسلموها إلى أوربا لتبنى عليها،
واستخدموا الجبر في بيان أوجهها، وشرحوا، وفرعوا، وأضافوا إضافات جديدة،
كأسس الهندسة التحليلية، ولا يخفي أن الرياضيات الحديثة تبدأ منها،
وترجموا كثيرًا من الكتب لإقليدس وبطليموس وأرشميدس. ثم تصدى لشرح كتاب
إقليدس وبرهان مسلماته كثيرون مثل: البيروني، والحسن ابن الهيثم، وعمر
الخيام، وغيرهم كما تطرقوا إلى قضايا وبحوث جديدة لم يتناولها إقليدس.

وكان كتاب ابن الهيثم "شرح مصادرات إقليدس"
الذي عنى بالمسلمات، وكتابه "حل شكوك إقليدس في الأصول وشرح معانيه" من
أهم المؤلفات التي أثارت العديد من المجادلات والمناقشات العلمية، وفتحت
الباب لمزيد من التأليف في هذا المجال. وبقيت أوربا تستعمل في جامعاتها
هندسة إقليدس المترجمة عن اللغة العربية حتى القرن(16م)، واستطاع عمر
الخيام أن يبرهن أن مجموع زوايا أي شكل رباعي تساوى(360°) ومجموع زوايا أي
مثلث تساوى (180°).

وكان للبيروني جهود مشكورة في علم الهندسة، ومن كتبه "استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحنى فيها"،
وقد أراد البيروني في هذا الكتاب تصحيح دعوى القدماء اليونانيين في انقسام
الخط المنحنى في كل قوس بالعمود النازل عليها من منتصفها والتغيير من
خواصه. وقد ركز علماء المسلمين على الهندسة التطبيقية، ويتجلى هذا بوضوح
في بعض مؤلفات ابن الهيثم كمقالته في "استخراج سمت القبلة"، ومقالته "فيما
تدعو إليه حاجة الأمور الشرعية من الأمور الهندسية"، وكتاب طابق فيه بين
الأبنية والحفور بجميع الأشكال الهندسية، وغيرها، ومن المؤلفات القيمة في
علم الهندسة كتاب "الشكل الهندسي" لمحمد بن موسى بن شاكر، وكتاب في "استخراج المسائل الهندسية"
لثابت بن قرة، وكتاب في "الأعمال الهندسية"لنفس المؤلف، وكتاب "الأعمال
الهندسية" لأبى الوفاء البوزجاني. وأعطى الكندي جزءًا كبيرًا من وقته لعلم
الهندسة؛ فألف فيها(32)كتابًا ورسالة، منها رسالة في "الهندسة الكروية"،
ورسالة في "الأشكال الكروية"، ورسالة في "الهندسة المستوية"، وكتاب في
"تسطيح الكرة
" وغير ذلك..

رابعاً - علم حساب المثلثات:

حساب المثلثات علم عربي إسلامي، ويعترف جميع علماء الرياضيات الأوربيين بأن المسلمين أسهموا الإسهام الأساسي في إنشاء علم المثلثات، وأن الفضل يرجع لهم في جعله علمًا منتظمًا ومستقلا عن علم الفلك.

قال "رام لاندو" في كتابه "المؤثر على حضارة العرب": "إن حساب المثلثات في
أوربا كان مأخوذًا من علم حساب المثلثات عند المسلمين. ويقول "ديفيد سميث"
في كتابه تاريخ الرياضيات": "...ولم تدرس المثلثات الكروية المائلة بصورة
جديدة وجدية إلا على أيدي العرب والمسلمين في القرن الرابع الهجري، العاشر
الميلادي".

قام المسلمون بحل معادلات مثلثية كثيرة عن طرق التقريب، وهم أول من أدخل المماس في إعداد النسب المثلثية. ويروى مؤرخو الرياضيات أن علماء المسلمين كانوا هم أول من استعمل المعادلات المثلثية، وإليهم يرجع الفضل في تطوير الظل والجيب في علم حساب المثلثات.
ويقول "جوزيف هل" في كتابه "حضارة العرب": "إن علم الجيب والظل يعتبر من
تراث المسلمين"، ويضيف الدكتور "دارك ستروك" في كتابه "المختصر في تاريخ
الرياضيات": "إن كلمة جيب كلمة عربية، وهذا لا يترك مجالا للشك في أن
الفضل يرجع إلى المسلمين في تطويرها إلى ما هي عليه الآن".

ومن العلماء المسلمين الذين برزوا في هذا العلم
ابن سنان البتاني، وهو أول من استعمل المعادلات المثلثية، وأبو الوفاء
البوزجاني أول من أدخل المماس في عداد النسب المثلثية، واستخدم المماسات،
والقواطع، ونظائرها في قياس المثلثات والزوايا. كما ابتكر طريقة لإنشاء
جداول للجيوب في المثلثات المستوية، وأعطى جيب نصف الدرجة صحيحًا لثمانية
أرقام عشرية، ووضع جداول لنسبة الظل التي أدخلها مع نسبتي القاطع وقاطع
التمام.

ومن العلماء الذين أسهموا في علم المثلثات:
أبو العباس التبريزي، وأبو جعفر الخازن في القرن الرابع الهجري،
والبيروني، والعالم الأندلسي الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش
المعروف بابن الزرقالي عند الغربيين، وكان له أثر عظيم في علم حساب
المثلثات وخاصة المثلث الكروي، ووجد اسم جيب الزواية واستعمالها في كتاب
ابن الزرقالي. وقد ألف كذلك جداول لعلم حساب المثلثات ترجمها الغرب إلى
اللاتينية. ويقول "سيديو" عن إنجازات البتاني في علم المثلثات: "يرجع أول
تقدم في علم المثلثات إلى البتاني، فقد بدا لهذا الفلكي العظيم -الملقب
ببطليموس العرب- أن يستبدل الأقواس بالأوتار للأقواس المضاعفة أي جيوب
الأقواس المقترحة". ثم يذكر من أقوال البتاني قوله: "لم يستعمل بطليموس
الأوتار الكاملة إلا لتسهيل التطبيقات، وأما نحن فقد اتخذنا أنصاف الأقواس
المضاعفة". وانتهى البتاني إلى الدستور الأساسي للمثلثات الكروية فطبقه
غير مرة، ونجد في كتب البتاني لأول مرة مبدأ مماس القوس، وتعبير (جيب تمام
الجيب) الذي لم يستعمله الإغريق قط، وأدخل البتاني هذا المبدأ إلى حسابات
الساعة الشمسية فسماه الظل الممدود، وليس هذا سوى المماس المثلثي عند
علماء الوقت الحاضر. وأضاف "إيرك بل" في كتابه "تطورات الرياضيات": "إن
البتاني هو أول عالم أدخل علم الجبر على علم حساب المثلثات بدلا من
الهندسة كما كان الحال في القديم.

ومن أشهر المشتغلين بعلم الرياضيات والميكانيك:
أبناء موسى بن شاكر، وقد عالجوا ألوانًا من التأليف طرقت: علم الحيل، وعلم
المثلثات؛ حيث لجأوا إلى طريقة جديدة تعتمد المنحنيات في تقسيم الزاوية
إلى ثلاثة أقسام متساوية، ووضع مقدارين ليتوالى على قسمة واحدة واستعملوا
القانون المشهور في عالم المثلثات باسم "قانون هيرون"، وذلك لتقدير مساحة
المثلث إذا علم طول كل ضلع من أضلاعه.
وقضى أبو الوفاء جل وقته في دراسة مؤلفات البتاني في علم حساب المثلثات فعلق عليها وفسر الغامض منها.

ويقول الدكتور "موريس كلاين" عن أبي الوفاء في كتابه "تاريخ الرياضيات من
الغابر إلى الحاضر": "إن أبا الوفاء عرف بعض النقط الغامضة في مؤلفات
العالم المسلم المشهور البتاني وشرحها". وهكذا أسهمت الحضارة الإسلامية في
إثراء الفكر الرياضي بأهم مقومات تقدمه وازدهاره، وهى العناية بالبحث
العلمي والتطبيقي إلى جانب الدراسات النظرية على أساس علمي سليم يعتمد على
المنهج التجريبي الاستقرائي؛ ولهذا حفل التراث العلمي الإسلامي بالكثير من
النظريات والأفكار الرياضية الأصيلة التي أجمع المؤرخون على أهميتها
واعتماد المحدثين عليها. ويقول الكاتب "رام لاندو" في كتابه "مآثر العرب
في الحضارة": "إن المسلمين قدموا كثيرًا من الابتكارات في حقل الرياضيات،
ومع ذلك فإن معظم الأمريكان والأوربيين لم يعودوا يتذكرون من أي مخزن
اكتسب العالم المسيحي الأدوات التي لم يكن لتصل الحضارة الغربية إلى
مستواها الحالي إلا بها".وظهر من علماء الرياضيات النابغين مجموعة كبيرة
تكمل انجازات السابقين وتبنى عليها ومن هؤلاء: نصير الدين الطوسي، وكان
عالمًا فذًا في الرياضيات والفلك، ويقول "جورج سارتون" في كتابه تاريخ
العلوم: " إن نصير الدين الطوسي يعتبر من أعظم علماء الإسلام ومن أكبر
رياضييهم"

فأبدع في علم الرياضيات بجميع فروعه، و يوضح ذلك الدكتور"موريس كلاين" في
كتابه "تاريخ الرياضيات من الغابر حتى الحاضر": "أن نصير الدين الطوسي كان
يعرف معرفة تامة الأعداد الصم، ويظهر ذلك من بحوثه لمعادلات صماء مثل:
الجذر التربيعي ل (أ ب) = حاصل ضرب الجذر التربيعي ل (أ) × الجذر التربيعي ل (ب)،
والجذر التربيعي لحاصل ضرب (أ^2) × (ب^2) = أب.
كما كانت لديه خبرة جيدة بالدوال الجبرية الصماء، وبالمثلث الكروي القائم
الزاوية وهذا يظهر من رسالة "الأشكال الرباعية الأضلاع "، ويقول الدكتور
"درك سيترك" في كتابه "ملخص تاريخ الرياضيات": "إن نصير الدين الطوسي من
المفكرين الأوائل في الأعداد التي ليس لها جذور-الأعداد الصم-، ولو أعطى
كل ذي حق حقه فإنه من الجدير أن يقال إنه المبتكر الأول لهذه الأعداد التي
لعبت في الغابر دورًا مهمًا ولا تزال لها أهميتها العظمى في الرياضيات
الحديثة التي تدرس الآن في جميع أنحاء العالم. واشتهر نصير الدين الطوسي
بعلم حساب المثلثات، فألف فيه كتاب " شكل القطاعات"، وهو يحتوى على حساب
المثلثات فقط، فنجح بذلك في فصل حساب المثلثات عن علم الفلك، ويذكر
الدكتور "ديفيد يوجين سميث" في كتابه "تاريخ الرياضيات": "إن نصير الدين
كتب أول كتاب في علم حساب المثلثات سنه 846ه نجح فيه نجاحًا تامًا في فصل
حساب المثلثات عن علم الفلك"، ثم أضاف "...إن نصير الدين هو أول من طور
نظريات جيب الزاوية إلى ما هيعليه الآن مستعملاً في المثلث المستوى".

وأوضح البروفيسور "إريك بل" في كتابه "الرياضيات وتطويرها عبر التاريخ":
أنه كان لكتاب نصير الدين الطوسي في علم حساب المثلثات الأثر الكبير في
علماء الرياضيات في الشرق والغرب، بما فيه من الابتكارات الجديدة التي
أفادت وطورت هذا الحقل". كما اهتم بالهندسة الفوقية، أو الهندسة
الإقليدسية، فقال البروفيسور "درك سترديك" في كتابه "ملخص تاريخ
الرياضيات": "إن نصير الدين الطوسي حاول بكل جدارة أن يبرهن على الموضوعة
الخامسة من موضوعات إقليدس، فكانت محاولته بدء عصر جديد في علم الرياضيات
الحديثة؛ لهذا انصبت عقليته العظيمة على برهانها، وهو: ( أن مجموع زوايا
المثلث تساوى زاويتين قائمتين). وألف نصير الدين الطوسي أكثر من (145)
مؤلفا في حقول مختلفة منها: علم حساب المثلثات، والجبر، والهندسة،
والجغرافية، والهيئة، وغيرها منها: مقالة تحتوى على الشكل القطاعي السطحي
والنسب الواقعة فيه، والرسالة الشافية عن الشك في الخطوط المتوازية، كتاب
تحرير إقليدس، وغيرها؛ ولهذا فإن نصير الدين ترجم ودرس واختصر، وأضاف
نظريات جديدة إلى إنتاج من سبقه من علماء شرقيين وغربيين، فأرسى قواعد
إنتاجه العلمي على تجاربه، وتجارب الآخرين وألوان نشاطهم المختلفة، كما
كان نصير الدين الطوسي موسوعة في العلوم كلها، فألف كتبًا كثيرة استفاد
منها من تبعه.

كان كثير من علماء الأندلس ينبغون في عدة علوم، ولا يقتصرون على علم واحد حيث لم يكن التخصص الدقيق معروفًا في ذلك الوقت.
وكان من أوائل من اشتغل بالرياضيات في الأندلس ولفت الأنظار إليها أبو
القاسم مسلمة المجريطى الذي وصفه صاعد بأنه "كان إمام الرياضيين في وقته"،
وتخرج على يديه كثير من الطلاب مثل: ابن السمح، وابن الصفار، والزهراوى،
والكرمانى، وغيرهم. كما برع عباس بن فرناس في علم عدد الهندسة
الميكانيكية، حيث ابتكر الآلة المعروفة بالميقاتة لمعرفة الوقت على غير
رسم ومثال، وكذلك القاسم بن أصبغ بن السمح الذي برع في علم الحساب
والهندسة، وله عدة مؤلفات منها: كتاب "المدخل إلى الهندسة" شرح فيه كتاب
إقليدس، وكتاب كبير آخر في الهندسة. وكذلك أبو الحسن الزهراوى، وكان
عالمًا بالهندسة والعدد وله كتاب في الهندسة بعنوان: "المقابلات عن طريق
البرهان". 

كما اشتهر أبو الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرمانى القرطبى بالهندسة أيضًا،
وكان قد رحل إلى المشرق في طلبها خاصة في حران، ثم عاد إلى الأندلس وصار
لا يشق له غبار فيها. وكذلك ابن الصفار الذي اشتهر بالحساب والهندسة،
وكذلك أبو بكر بن عيسى، وكان مقدمًا في علم الهندسة والعدد، وكان يجلس
للتعليم فيها. ومن الرياضيين المشهورين بالأندلس أيضًا محمد بن الفرج
الرشاشى الذي عرف بالذراع؛ نظرًا لأنه ابتكر وحدة قياسية للمسافات هى
الذراع الذي نسب إليه فأصبح يعرف بالذراع الرشاشى، وكان أهل الأندلس
يقيسون به، وبلغ طوله ضعف الذراع المأمونى الذي كان معروفًا في المشرق
(71.1سم)، ويذكر أن الإدريسى والبكرى قد استخدماه في قياس بعض المعالم
الأثرية كجامع قرطبة وغيره.

ومن علماء الأندلس في الهندسة
أبو مسلم بن خلدون من أشراف إشبيلية، وتلاميذه ابن برغوث -وكان عالمًا في
الرياضيات-، وأبو الحسن مختار الرعينى، وعبد الله بن أحمد السرقسطى، وكان
متعمقًا في علم الهندسة والعدد، ومحمد بن الليث، وكان بارعًا في العدد
والهندسة، وابن الوقشى الطليطلى، وكان عارفًا بالهندسة. وحل جابر بن أفلح
مرة مثلثًا كرويًا قائم الزاوية علم ضلعه، والزاوية المجسمة المجاورة له،
واشتهر في عهد بنى الأحمر يحيى بن هذيل، وكان بارعًا في الهندسة
والرياضيات.

ونبغ محمد بن يوسف بن عميرة الأنصارى في الرياضيات، والعلوم الهندسية،
ومحمد بن منخل بن ريان، وكان متحققًا بالفرائض والحساب، بصيرًا بالمساحة،
والفضل بن محمد بن أحمد بن إسحق البلنسى، وأحمد بن أبى الطرف عبد الرحمن
بن أحمد البلنسى، وأحمد بن إبرهيم الأنصارى مهر في علوم الحساب والهندسة
حتى كان لايدانى في ذلك، وتصدر لإفادة ذلك وتعليمه ببلده مدة طويلة، فأخذ
عنه أهله، وشهر بالعدالة والصلاح والدماثة ووفور العقل، ومحمد بن بكر
الفهرى، وأحمد بن إبراهيم بن على العبدرى، وكان واحدًا من النابغين في
العدد والهندسة من فنون التعاليم، وقد ألف في الفنين تصانيف جليلة،
وتلاخيص هامة، واستنباطات رائعة، ومن أشهر تصانيفه "فقه الحساب"، ومقالة
في استنباط أعداد الوقف، وكتاب "تجريد أخبار كتب الهندسة على اختلاف
مقاصدها" علاوة على دراسة كتاب "الأركان" لإقليدس.

وفد إلى معاهد المسلمين بإسبانيا كثير من التلاميذ الذين أصبحوا فيما بعد
أساتذة وقادة في الدراسات الرياضية والطبية، ومن بين هؤلاء "إدلارد
الباشى"، و"مورلى النور" الفلكى البريطانى. وكان هؤلاء يعودون إلى بلادهم
ليعلموا أقوامهم ما تلقوه من أساتذتهم المسلمين، كما كانوا يترجمون أهم ما
كتبه الباحثون المسلمون، وقد نقلوا الأرقام المستخدمة اليوم في جميع أنحاء
العالم المقتبسة من "حروف الغبار" التي استعملت أولاً بالأندلس والمغرب
العربى قبل زحفها على سائر الأقطار، ولذلك سميت بالأرقام العربية، ونقلت
إلى الغرب بواسطة "جربرت" الذي تلقى ثقافته في إسبانيا أيضًا قبل أن يحتل
منصب البابوية باسم "سلفرستر الثانى"، ولم تستعمل هذه الأرقام في الغرب
إلا في منتصف القرن الثالث عشر، وكان استعمالها على يد "لوفردوفيبا نوسى"،
وقد تلقى هذا دراسته أيضا على مدرس مسلم.

ومؤلفات "لونردو" كانت حجر الأساس في الرياضة عند الأروبين، وقد حوت هذه
المؤلفات النسب المثلثية الست التي وضعها الرياضيون المسلمون، أما
المؤلفات الرياضية التي كتبها (Goerge Purbach) أستاذ الرياضيات في "فينا"
في القرن الخامس عشر، فقد اعتمد أكثر الاعتماد على أبحاث الزرقالى، وله
تلميذ اسمه (Johannes muller) أصبح فيما بعد أستاذًا في (padua) وله بحث
في الرياضيات نشر أكثر من مرة خلال القرن السادس عشر، ويعتبر أول بحث كامل
في حساب المثلثات كتبه أوربى، وقد كان هذا البحث بكل تأكيد أقل مستوى من
الأبحاث التي كتبها المسلمون.


يصعب علينا حصر نتاج الكاشى عملاق الرياضيات في القرن التاسع الهجري في
أسطر قليلة، ولكن سوف نحاول أن نعطى فكرة مختصرة عن بعض ابتكاراته
المشهورة.

عاش "ليوناردو فيبوناشى" العالم الإيطالى في القرن الثالث عشر الميلادي،
وكان معروفًا عند معظم علماء الرياضيات بليوناردو بيسانو، نسبة إلى مسقط
رأسه مدينة "بيسانو" التي كانت أكثر مدينة تجارية في إيطاليا في ذلك
الوقت، وقد زار "فيبوناشى" الكثير من البلاد الإسلامية، وتلقى علمه على يد
علماء المسلمين في الأندلس، وكتب في جميع فروع الرياضيات. كان معظم نتاجه
منقولا عن علماء المسلمين، وأهم دراساته كانت حول تقدير قيمة النسبة
التقريبية فحصل على نسبة محيط الدائرة إلى قطرها بما قدرهُ (3.141818).
ولكن الكاشى الذي أتى بعد "فيبوناشى" بحوالى قرن واحد توصل إلى قيمة أدق
بكثير تكاد تعادل النتيجة التي توصل إليها علماء القرن العشرين باستعمال
الآلات الحاسبة.

ابتكر الكاشى الكسور العشرية، وكان لهذا الابتكار أثر كبير في تقدم
الحساب، وفي اختراع الآلات الحاسبة، واعترف له بذلك علماء الشرق والغرب.
واستخدم الكاشى الصفر لأول مرة لنفس الأغراض التي نستعمله فيها اليوم.
ويذكر الأستاذ "ديفيد يوجين سمث" في كتابه تاريخ الرياضيات: "إن الخلاف
بين علماء الرياضيات كثير ولكن اتفق أكثرهم على أن الكاشى هو الذي ابتكر
الكسر العشرى".

ومن مؤلفاته:
1- كتاب "زيج الخاقانى"، وهو عبارة عن تصحيح زيج الأيلخانى للطوسى.
2- رسالة في الحساب.
3- كتاب "مفتاح الحساب".
4- رسالة في الهندسة.
5- كتاب "في علم الهيئة".

وقد قدم الكاشى أعظم خدمة للحضارة الإنسانية بما كتبه في مختلف فروع
العلوم، فكان موسوعة في علم الحساب محتذيًا في ذلك حذو من سبقه من علماء
المسلمين، وقد ألف في هذا المجال بصورة علمية منظمة. كان كتابه مفتاح
الحساب منهلا استسقى منه علماء الشرق والغرب على السواء، واعتمدوا عليه في
تعليم أبنائهم في المدارس والجامعات لمدة قرون، كما استخدموا الكثير من
النظريات والقوانين التي أتى بها الكاشى وبرهنها وابتكرها.

تعلم الكاشى على يد أشياخه في العلوم الدقة في التصور للمسائل المستعصية
على الأمم السابقة مثل اليونان وغيرهم، فحل الكثير منها بطرق علمية بحتة.
ولذا يعتبر الكاشى ممن وضعوا أسس البحث العلمى، وقد عرفت عنه قوة الملاحظة
وحب الاستطلاع. ومن واجب شبابنا أن يتعرف أولا مدى عظمة هذا العالم الفذ
حتى يصبح قوة يقتدى به لجيلنا المتطلع إلى التقدم والكرامة.


من أبرز إنجازات المسلمين في الرياضيات في العصر المملوكى اكتشاف الكسور
العشرية، وينسب هذ الإنجاز إلى غياث الدين بن مسعود بن محمد الكاشى، أبرز
علماء الرياضيات في ذلك العصر، وقد ولد الكاشى في أواخر القرن الثامن
الهجري في مدينة قاشان، وتوفي عام (839ه).


المصدر : / الموسوعة العربية العالمية

moh22

الجنس : Male

عدد المساهمات : 506
النقاط : 29131
التقييم : 36
تاريخ التسجيل : 2010-02-16

View user profile

Back to top Go down

View previous topic View next topic Back to top


 
Permissions in this forum:
You cannot reply to topics in this forum